في خيمة متواضعة قرب دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس أحمد اشتاوي (43 عاماً)، السائق والميكانيكي، على ستة كراسي بلاستيكية رخيصة ومتهالكة. قد تبدو هذه الكراسي للوهلة الأولى أشياء عديمة القيمة، لكنها تعدّ من أغلى ممتلكاته وأكثرها قدسية لديه. يعيش اشتاوي مع ابنتيه في مأوى مؤقت، بعد أن دُمّر منزله السابق في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، والتي أصبحت الآن غير صالحة للسكن ومستحيلة الوصول إليها بسبب الدمار الشامل. «عندما أجلس على تلك الكراسي، أتذكر جلوسي في حديقة المنزل، تناول الإفطار وشرب الشاي. إنها تذكرني بحياتي هناك»، قال اشتاوي الأسبوع الماضي في حديث مؤثر يوثق واقع النازحين.
وتصادف هذا الأربعاء الذكرى السنوية للهجوم الذي نفذته فصائل حماس على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وأطلق شرارة هجوم عسكري إسرائيلي مستمر أدى إلى مقتل 73 ألف فلسطيني، غالبيتهم العظمى من المدنيين، وجرح آلاف آخرين، وتحويل مساحات شاسعة من غزة إلى ركام. وفي ظل هذه الظروف القاسية، تحاول ليان الجبور (15 عاماً) من مدينة خان يونس، إحلال بعض النظام في المأوى المؤقت المزدحم الذي تتشاركه مع والديها وإخوتها في منطقة المواصي، أقصى جنوب القطاع. تقول ليان: «عندما أنظف الخيمة، أتذكر منزلنا وكيف كنت أنظفه. أتذكر غرفتي وكيف كنت أرتب سريري. عندما أضع غطاءً على الطاولة وأرتب الفراش، يبدو المكان وكأنه منزلنا القديم».
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان للكاتب أمجد طنتش، لم تأخذ ليان معها سوى حقيبتها المدرسية عند النزوح، معتبرة إياها أثمن ما تملكه حالياً لأنها تذكرها بأيام الدراسة ولقاء الصديقات. وتعكس قصص الفلسطينيين في غزة واقعاً يومياً مليئاً بالتحديات التي لم تكن حياتهم السابقة لتعدّهم لها، بما في ذلك نقص المياه والغذاء المغذي، وانهيار النظام الصحي، وانتشار الأمراض، والبطالة، والانهيار الاقتصادي المستمر، بالإضافة إلى التهديد الدائم بالموت أو الإصابة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه قبل عام، فإن الغارات الجوية الإسرائيلية مستمرة، حيث قُتل خلال العام الماضي 1400 شخص إضافي، فيما يستمر الجيش الإسرائيلي باستهداف من يقتربون من «الخط الأصفر» الذي يقسم غزة إلى مناطق سيطرة.
وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت الهجمات الإسرائيلية، إذ أكد مسؤولون صحيون مقتل فلسطينيين اثنين على الأقل يوم الثلاثاء، تلاهما مقتل اثنين آخرين وإصابة عدد من الجرحى في غارات استهدفت بيت لاهيا وخان يونس يوم الأربعاء. ويرى عامل إغاثة دولي متمركز حالياً في عمّان، وعمل في غزة طوال فترة النزاع، أن الوضع الراهن هو «وقف لإطلاق النار ليس وقفاً فعلياً للإطلاق»، مشيراً إلى أن الحياة اليومية مروعة، وأن الناس لم يعودوا جياعاً لكنهم لا يزالون يعانون من سوء التغذية. ومن جهته، أكد راميز ألاكباروف، منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة، أمام مجلس الأمن الشهر الماضي، أن الوضع الصحي لا يزال حرجاً، مع انتشار أمراض معدية في مواقع النزح المكتظة ونقص حاد في مياه الشرب والصرف الصحي، مشيراً إلى أن القيود الإسرائيلية على دخول المواد الإنسانية الحيوية تعيق الاستعدادات لفصل الشتاء.
ومن جانبه، عبر كيلاني، وهو مزارع فقد أرضه ومعاصرته للزيتون، عن يأس عميق قائلاً: «في هذا الوقت من كل عام، كنت أعصر نحو 60 حاوية من زيت الزيتون. لكنني خسرت كل شيء. إذا ذهبت إلى منزلي قد أموت، وإذا ذهبت إلى مزرعتي قد أموت أيضاً. هذه ليست حياة. نحن منهكون وقد فقدنا الأمل». وأضاف أن الحياة قبل الصراع تبدو بعيدة جداً، حيث كانت الأشجار المثمرة والحقول الخضراء جزءاً طبيعياً من الوجود اليومي، أما الآن فأصبح رؤيتها أمراً مفاجئاً. وفي موازاة ذلك، أعادت حماس سلطتها بسرعة على الثلث من غزة الذي لا يخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، وأقامت إدارة بدائية توفر تعليماً متقطعاً وخدمات صحية محدودة، بينما تبدو خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب بشكل نهائي متعثرة، مع تقدم ضئيل نحو نزع سلاح حماس أو انسحاب القوات الإسرائيلية أو بدء إعادة الإعمار.
وتختتم إسراء أبو طيبة (26 عاماً)، وهي مصففة شعر سابقة من بني سهيلا شرق خان يونس، شهادتها بذكريات مهنتها القديمة كملاذ من الواقع المرير. فقدت إسراء أخوين في النزاع، وأصيب اثنان آخران، بينما لا يزال شقيقها الخامس ضمن أكثر من 1500 فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية. تقول إسراء: «قبل الحرب كانت حياتي هادئة وجيدة. كنا نعيش في منزلنا الخاص بغسالة ملابس وصنبور ماء وحديقة. الآن نعيش في خيمة، وحياتنا تعتمد على حمل الماء والحصول على الطعام من مطبخ المجتمع». وأضافت أنها لا تزال تقص شعر الفتيات وتجهزهن للزفاف في المخيمات، مشيرة إلى أن هذه الممارسة تعيدها لفترة جميلة وسعيدة من حياتها، وتأخذها بعيداً عن البؤس الذي تعيشه، ولو للحظات قليلة فقط.























































